فخر الدين الرازي

196

تفسير الرازي

كذلك طول عمرهم ولو كان المراد نفي الحدث لقال : لا يمسه إلا المطهرون أو المطهرون ، بتشديد الطاء والهاء ، والقراءة المشهورة الصحيحة * ( المطهرون ) * من التطهير لا من الإطهار ، وعلى هذا يتأيد ما ذكرنا من وجه آخر ، وذلك من حيث إن بعضهم كان يقول : هو من السماء ينزل به الجن ويلقيه عليه كما كانوا يقولون في حق الكهنة فإنهم كانوا يقولون : النبي صلى الله عليه وسلم كاهن ، فقال : لا يمسه الجن وإنما يمسه المطهرون الذين طهروا عن الخبث ، ولا يكونون محلاً للإفساد والسفك ، فلا يفسدون ولا يسفكون ، وغيرهم ليس بمطهر على هذا الوجه ، فيكون هذا رداً على القائلين : بكونه مفترياً ، وبكونه شاعراً ، وبكونه مجنوناً بمس الجن ، وبكونه كاهناً ، وكل ذلك قولهم والكل رد عليهم بما ذكر الله تعالى ههنا من أوصاف كتاب الله العزيز . المسألة العاشرة : قوله : * ( تنزيل من رب العالمين ) * مصدر ، والقرآن الذي في كتاب ليس تنزيلاً إنما هو منزل كما قال تعالى : * ( نزل به الروح الأمين ) * ( الشعراء : 193 ) نقول : ذكر المصدر وإرادة المفعول كثير كما قلنا في قوله تعالى : * ( هذا خلق الله ) * ( لقمان : 11 ) فإن قيل : ما فائدة العدول عن الحقيقة إلى المجاز في هذا الموضع ؟ فنقول : التنزيل والمنزل كلاهما مفعولان ولهما تعلق بالفاعل ، لكن تعلق الفاعل بالمصدر أكثر ، وتعلق المفعول عبارة عن الوصف القائم به ، فنقول : هذا في الكلام ، فإن كلام الله أيضاً وصف قائم بالله عندنا ، وإنما نقول : من حيث الصيغة واللفظ ولك أن تنظر في مثال آخر ليتيسر لك الأمر من غير غلط وخطأ في الاعتقاد ، فنقول : في القدرة والمقدور تعلق القدرة بالفاعل أبلغ من تعلق المقدور ، فإن القدرة في القادر والمقدور ليس فيه ، فإذا قال : هذا قدرة الله تعالى كان له من العظمة مالا يكون في قوله : هذا مقدور الله ، لأن عظمة الشيء بعظمة الله ، فإذا جعلت الشيء قائماً بالتعظيم غير مباين عنه كان أعظم ، وإذا ذكرته بلفظ يقال مثله فيما لا يقوم بالله وهو المفعول به كان دونه ، فقال : * ( تنزيل ) * ولم يقل : منزل ، ثم إن ههنا : بلاغة أخرى وهي أن المفعول قد يذكر ويراد به المصدر على ضد ما ذكرنا ، كما في قوله : * ( مدخل صدق ) * ( الإسراء : 80 ) أي دخول صدق أو إدخال صدق وقال تعالى : * ( كل ممزق ) * ( سبأ : 7 ) أي تمزيق ، فالممزق بمعنى التمزيق ، كالمنزل بمعنى التنزيل ، وعلى العكس سواء ، وهذه البلاغة هي أن الفعل لا يرى ، والمفعول به يصير مرئياً ، والمرئي أقوى في العلم ، فيقال : مزقهم تمزيقاً وهو فعل معلوم لكل أحد علماً بيناً يبلغ درجة الرؤية ويصير التمزق هنا كما صار الممزق ثابتاً مرئياً ، والكلام يختلف بمواضع الكلام ، ويستخرج الموفق بتوفيق الله ، وقوله : * ( من رب العالمين ) * أيضاً لتعظيم القرآن ، لأن الكلام يعظم بعظمة المتكلم ، ولهذا يقال لرسول الملك هذا كلام الملك أو كلامك وهذا كلام الملك الأعظم أو كلام الملك الذي دونه ، إذا كان الرسول رسول ملوك ، فيعظم الكلام بقدر عظمة المتكلم ، فإذا قال : * ( من رب العالمين ) * تبين منه عظمة لا عظمة مثلها وقد بينا تفسير العالم وما فيه من اللطائف ، وقوله : * ( تنزيل ) * رد على طائفة أخرى ، وهم الذين يقولون : * ( إنه في كتاب ) * و * ( لا يمسه إلا المطهرون ) * وهم الملائكة ، لكن الملك يأخذ ويعلم الناس من عنده ولا